محمد بن عبد المنعم الحميري
7
صفة جزيرة الأندلس منتخبة من كتاب الروض العطار في خبر الأقطار
والاطلاع على ما في البيت ، فأعظم ذلك أكابرهم ، وتضرعوا إليه في الكف فأبى ، وظن أنه بيت مالٍ ، ففض الأقفال عنه ودخله فأصابه فارغاً لا شيء فيه إلا تابوتاً عليه قفل ، فأمر بفتحه فألفاه أيضاً فارغاً ليس فيه إلا شقة مدرجة قد صورت فيها صور العرب على الخيول وعليهم العمائم ، متقلدي السيوف ، متنكبى القسي ، رافعى الرايات على الرماح ، وفي أعلاها كتابة بالعجمية فقرئت فإذا هي : إذا كسرت هذه الأقفال من هذا البيت وفتح هذا التابوت فظهر ما فيه من هذه الصور فإن الأمة المصورة فيه تغلب على الأندلس وتملكها ، فوجم لذريق وعظم غمه وغم العجم وأمر برد الأقفال وإقرار الحراس على حالهم . وكان من سير الأعاجم بالأندلس أن يبعث أكابرهم إلى بساط الملك ليتأدبوا بأدبه ، وينالوا من كراماته ، حتى إذا بلغوا أنكح بعضهم بعضا استئلافاً لآبائهم ، وحمل صدقاتهم وتولى تجهيز إناثهم إلى أزواجهن ؛ فاتفق أن فعل ذلك يليان عامل لذريق على سبتة ، وجه ابنةً له بارعة الجمال تكرم عليه ، فوقعت عين لذريق عليها فأعجبته فاستكرهها على نفسها واحتالت حتى أعلمت أباها بذلك سراً بمكاتبةٍ خفيةٍ ، فأحفظه شأنها وقال : ودين المسيح لأزيلن سلطانه ! وكان امتعاضه من فاحشة ابنته السبب لفتح الأندلس بالذي سبق من قدر الله سبحانه ؛ ثم إن يليان ركب بحر الزقاق من سبتة في أصعب الأوقات في شهر ينير ، وأقبل حتى احتل بطليطلة حضرة لذريق ، فأنكر عليه مجيئه في ذلك الوقت وسأله عن السبب في ذلك ، فذكر له أن زوجته اشتد شوقها إلى ابنتها التي عنده ، وتمنت لقاءها قبل الموت ، وألحت عليه في إحضارها ،